جينات الغباء : حين يظن الرأس المربع أنه أذكى من النظام
هناك نوع نادر من البشر لا يحتاج إلى شهادة في الأمن السيبراني، ولا إلى أدوات اختراق متقدمة، ولا حتى إلى قدرات خارقة.
كل ما يحتاجه هو رأس مربع، وثقة زائدة بالنفس، وصلاحية دخول إلى النظام.
يجلس أمام الشاشة، يحدّق في البيانات، يحرّك الفأرة ببطء، ثم تأتيه تلك اللحظة العبقرية التي ينتظرها العالم منذ قرون:
“لو غيّرت هذا السجل… لن يكتشف أحد.”
يا للعبقرية!
نابغة عصره.
ماري كوري البيانات.
آينشتاين السجلات.
عبقريته الوحيدة أنه لم يفهم كيف يعمل النظام الذي قرر التلاعب به.
هذا الصنف لا يُسمّى هاكراً.
الهاكر الحقيقي يعرف ماذا يفعل، ويدرك قيمة الأثر الرقمي، ويفهم أن كل عملية تترك خلفها سلسلة من الأدلة.
أما صاحبنا، فهو نسخة بشرية من زر Delete؛ يضغط أولًا، ثم يبدأ بالتفكير بعد ذلك.
والمضحك أنه يتعامل مع النظام وكأنه دفتر ملاحظات شخصي.
يغيّر.
يحذف.
يعدل.
ثم يجلس مرتاحًا وهو يتخيل نفسه نابغة أمنية استطاع خداع مؤسسة كاملة.
يا عزيزي… أنت لم تخدع النظام. أنت فقط كشفت لنا أنك لا تفهمه.
المشكلة أن هذا النوع من العباقرة ينسى قاعدة بسيطة جدًا:
امتلاك صلاحية الوصول لا يعني امتلاك صلاحية محو الحقيقة.
النظام يعرف من دخل.
ويعرف متى دخل.
ويعرف ماذا فعل.
وفي الأنظمة الجادة، قد توجد طبقات متعددة من السجلات والمراقبة والنسخ الاحتياطية والأحداث الزمنية التي يمكن مقارنتها ببعضها.
ولهذا فإن محاولة العبث بسجل واحد قد تكون أشبه بشخص يدخل مسرح الجريمة، يمسح بصمة من فوق الطاولة، ثم يخرج منتشيًا لأنه يعتقد أنه أصبح غير مرئي.
يا له من ذكاء خارق!
نسي فقط أن الغرفة ليست طاولة واحدة.
والقصة ليست سجلًا واحدًا.
والدليل ليس بالضرورة موجودًا في المكان الذي حاول العبث به.
ثم تأتي المرحلة الأكثر إثارة للشفقة:
عندما تظهر التناقضات، يبدأ صاحب الرأس المربع في إنتاج الأعذار.
“خطأ بالنظام.”
“خلل تقني.”
“ربما البيانات لم تُسجّل.”
“ربما حدثت مشكلة في التحديث.”
كل شيء ممكن…
إلا الاحتمال البسيط جدًا:
أن شخصًا عبث بما لا يحق له العبث به.
وهنا يتحول الغبي من موظف يملك صلاحية إلى مؤلف فاشل لرواية جنائية رديئة.
المشكلة أن روايته تحتوي على ثقوب أكثر من سجل الدخول نفسه.
لأن البيانات لا تعيش في فراغ.
هناك رسائل.
هناك معاملات.
هناك أوقات.
هناك أنظمة أخرى.
هناك نسخ.
هناك آثار تشغيلية.
وهناك شيء مزعج جدًا بالنسبة لصاحب الرأس المربع:
الزمن.
فالزمن لا يتواطأ معه.
إذا حدثت عملية في وقت محدد، ثم ظهرت وثيقة في وقت مختلف، ثم اختفى أثر من سجل، ثم ظهرت معلومة في مصدر مستقل، فالمشكلة ليست أن النظام “نسي”.
المشكلة أن هناك قصة تحتاج إلى تفسير.
وهنا تحديدًا تصبح محاولة إخفاء الأثر أكثر إثارة للسخرية من الفعل نفسه.
لأن الغبي يعتقد أنه عندما يمسح السطر، فقد محا الحدث.
بينما المحقق ينظر إلى السؤال الأهم:
لماذا كان السطر موجودًا أصلًا؟ ومن غيّره؟ ومتى؟ وبأي صلاحية؟ وماذا حدث قبل التغيير وبعده؟
وهنا ينتهي العرض الكوميدي.
فالمؤسسة التي تحترم بيانات عملائها لا ينبغي أن تكتفي بعبارة:
“نحن نملك أنظمة حماية متقدمة.”
بل يجب أن تكون قادرة على إثبات:
من دخل؟ ماذا فعل؟ متى فعل ذلك؟ ما الذي تغيّر؟ هل يمكن تتبع التغيير؟ وهل توجد سجلات مستقلة تؤكد الحقيقة؟
لأن أخطر شخص في المؤسسة ليس دائمًا الهاكر الذي يحاول اختراقها من الخارج.
أحيانًا يكون الأخطر هو ذلك الموظف الذي يجلس في الداخل، يملك صلاحيات حقيقية، ثم يقرر أن يجرب حظه في إعادة كتابة الواقع.
ذلك الذي يعتقد أن ذكاءه يفوق النظام.
ذلك الذي يتخيل أن حذف سجل يجعله شبحًا.
ذلك الذي يظن أن الجميع أغبياء لأنه استطاع أن يضغط بضعة أزرار.
هذا ليس عبقريًا.
هذا شخص أعطته المؤسسة مفتاحًا، فظن أن المفتاح أعطاه القدرة على تغيير الحقيقة.
والفرق بين العبقري والغبي هنا بسيط:
العبقري يعرف أن كل نظام يترك أثرًا. أما الغبي فيترك الأثر ثم يبحث عن زر يمسحه.
وفي النهاية، قد تستطيع حذف سجل من شاشة.
قد تستطيع تعديل خانة.
قد تستطيع تغيير تاريخ.
وقد تستطيع حتى إقناع شخص بأن “النظام أخطأ”.
لكن هناك شيء واحد لا تملكه أي صلاحية إدارية في العالم:
زر حذف الحقيقة.
وهنا، تحديدًا، تبدأ الكارثة بالنسبة لصاحب الرأس المربع.
لأن أكثر شيء يثير الرعب في التحقيق الجنائي الرقمي ليس أن نجد أثرًا.
بل أن نجد محاولة لإخفائه.
فالمجرم المحترف قد يحاول أن يكون ذكيًا.
أما صاحبنا…
فقد قرر أن يكون أذكى من النظام.
وهذه، في حد ذاتها، كانت أول غلطة.
تسجيل الدخول الجنائي: HD.39™ | @hd039333