⚖️ الثقب الأسود يتمدد: كيف تُصادر لجان المنازعات حق التقاضي الائتماني بـ “حفظ صامت”؟
إذا كان الخطأ الإداري في بدايته يُعد تجاوزاً يمكن تداركه، فإن تكراره بنفس الأدوات وفي ذات الكيان يُعد “منهجية مؤسسية”. يبدو أن “الثقب الأسود الإجرائي” في لجان المنازعات والمخالفات المصرفية والتمويلية ليس مجرد عيب تقني، بل هو أداة فعالة لوأد الدعاوى ومصادرة حقوق المتقاضين بصمت مطبق.
في تطور جديد يضرب عرض الحائط بمبدأ “الشفافية المؤسسية”، تم توثيق حالة ثانية تُثبت انهيار أبجديات التقاضي الإداري. هذه المرة، الدعوى رقم (150184) المرفوعة ضد بنك الرياض، والمقيدة تحديداً لدى “لجنة النظر في مخالفات نظام المعلومات الائتمانية” بتاريخ 1447/11/11 هـ، واجهت نفس المصير التعسفي: إعدام إجرائي بدون تسبيب.
بوضع هذا المسار تحت المجهر القانوني، نرصد ثلاث مخالفات إجرائية جسيمة:
1. الإيهام بالتفاعل الإجرائي (Procedural Illusion)
لم تُحفظ الدعوى فور تقديمها، بل خضعت لمسار يوهم المدعي بوجود مراجعة حقيقية. ففي البداية، تغيرت حالة الطلب إلى “بحاجة إلى مستندات من صاحب الدعوى”، مما يعكس تفاعلاً مبدئياً لطلب الأدلة.

وبعد استيفاء المطلوب، انتقلت الحالة إلى “مراجعة المستندات”. هذا التدرج يخلق التزاماً إجرائياً على اللجنة بأن تُصدر قراراً مبنياً على تمحيص دقيق للأدلة المرفقة.

2. الانعدام القانوني للتسبيب (Lack of Legal Reasoning)
القرار الإداري أو شبه القضائي الذي لا يُبنى على أسباب، هو قرار معيب بـ “عيب الشكل والإجراء”. فجأة، تحولت حالة الدعوى إلى “تحفظ الدعوى”.

في الفقه القانوني، “التسبيب” ليس منحة من اللجنة، بل هو حق أصيل للمدعي ليعرف أسباب رفض طلبه (هل هو لعدم الاختصاص؟ أم لقصور في الأدلة؟ أم لانقضاء المدة؟). غياب المسوغ القانوني للحفظ يحول اللجان من منصات للعدالة إلى “مصدات حماية” للكيانات المصرفية، تقطع الطريق على العميل حتى في فهم طبيعة الخطأ الائتماني الذي وقع عليه.
3. التعتيم اللوجستي المطلق (Total Blackout Strategy)
أما الكارثة التقنية التي لا يمكن تبريرها في منصة حكومية، فهي أن هذا الحفظ التعسفي تم في “غرفة مظلمة”. لم يصل للمدعي أي إشعار، لا عبر رسالة نصية (SMS)، ولا عبر البريد الإلكتروني، ولا حتى مكالمة هاتفية توضح إغلاق الملف. لقد تم اكتشاف هذا الإجراء “بالصدفة المحضة” عبر تسجيل الدخول الروتيني للموقع! هذا التعتيم يُعطل حق المدعي في الاعتراض ضمن المهل القانونية المحددة.
الخلاصة القانونية:
إن تحويل القضايا الائتمانية الحساسة إلى مجرد سجلات تُحفظ بصمت، يفرغ “نظام المعلومات الائتمانية” من مضمونه الرقابي. عندما تكتفي الأمانة العامة بإغلاق الدعاوى دون تسبيب أو إشعار، فإنها لا تُنهي النزاع، بل تزرع انعدام الثقة في المنظومة المالية بأكملها.
القرار الذي لا يملك شجاعة التسبيب.. هو إقرار ضمني بضعف الموقف القانوني لمن اتخذه.