ملف قضية HD.39تحقيقات

الثقب الأسود الإجرائي: حينما يُستبدل "العدل المالي" بصمت الأرشفة

⚖️ الثقب الأسود الإجرائي: حينما يُستبدل “العدل المالي” بصمت الأرشفة

عندما نتحدث عن “لجان المنازعات والمخالفات المصرفية والتمويلية”، فإننا نتحدث عن الملاذ الأخير للعميل، الجسر الذي يُفترض أن يعبر به المتضرر من غطرسة الكيانات المالية إلى ضفة الإنصاف. في عالم تُنفق فيه الملايين على منصات “التحول الرقمي” وأتمتة الإجراءات، يتوقع المُدعي حداً أدنى من الشفافية والتواصل. لكن الواقع التشغيلي كشف لنا عن “ثقب أسود إجرائي” تُبتلع فيه الدعاوى دون أثر.

في قضيتنا المرفوعة ضد بنك الرياض (رقم المرجع: 125997)، والتي تحمل أدلة قطعية ومستندات واضحة (لائحة دعوى، جداول سداد، وعقود)، تم توثيق دورة حياة غريبة ومريبة للطلب تتنافى مع أبسط أبجديات التقاضي الإداري.

1. وهم المعالجة (من المراجعة إلى التدقيق)

بدأت رحلة الدعوى بظهور حالة “بانتظار مراجعة رئيس قسم القبول والمتابعة”، ثم تطورت لاحقاً إلى “الدعوى تحت التدقيق”. هذا التدرج الإجرائي يوحي للوهلة الأولى بوجود عمل مؤسسي يقوم بتمحيص الأدلة ومراجعة المرفقات (كما هو موثق في سجلات النظام).

مراحل المراجعة والتدقيق للطلب

2. الإعدام الصامت (تحفّظ الدعوى)

بعد طول انتظار، وبشكل مفاجئ، تحولت حالة الطلب إلى عبارة مقتضبة ومبهمة: “تحفظ الدعوى”.

حفظ الدعوى بدون تسبيب

الكارثة هنا ليست في حفظ الدعوى بذاته، بل في “غياب التسبيب”. في أي نظام قانوني رصين، قرار الحفظ يجب أن يُبنى على مسوغ قانوني واضح يُشرح للمدعي (نقص أدلة، عدم اختصاص، انقضاء مدة.. إلخ). أما أن تُحفظ الدعوى هكذا، بضغطة زر، فهو استخفاف صريح بعقل ووقت المتضرر.

3. الانهيار اللوجستي للتواصل (Zero Communication)

إذا تجاوزنا كارثة غياب التسبيب القانوني، نصطدم بكارثة تقنية ولوجستية لا يمكن تبريرها. في عصر تُرسل فيه إشعارات لحظية لخصم هللة واحدة من رصيدك، لم تُكلف الأمانة العامة للجان المنازعات نفسها عناء إرسال إشعار واحد!

  • لا توجد رسالة نصية (SMS) تُعلم المدعي بتغير حالة الطلب.
  • لا يوجد بريد إلكتروني يوضح أسباب الحفظ.
  • لا يوجد اتصال هاتفي من قسم “القبول والمتابعة”.

المُدعي هنا مُطالب بالدخول يومياً لعمل “تحديث” للصفحة (Refresh) لعلّه يحظى بشرف معرفة مصير قضيته المجهول!


الخلاصة الإجرائية:

عندما يتحول عمل لجان المنازعات إلى مجرد “أرشفة صامتة” بلا تسبيب قانوني ولا إشعارات تواصل، فإنها تفقد غايتها الأساسية وتتحول إلى مجرد “مصدّات إدارية” لحماية المؤسسات المالية من المساءلة. الشفافية لا تعني فقط توفير بوابة إلكترونية لرفع الطلبات، بل تعني احترام حق المدعي في فهم مسار قضيته.

العدالة التي لا تُفسّر أحكامها.. هي مجرد أرشفة أوراق.