مجلة HD.39الخصوصية والأمن6 دقائق

سلاح بلا نقرات: كيف تحوّلت الإعلانات إلى طريق لاختراق أجهزة الجزيرة؟

تخيّل صحفيًا يفتح صفحة ليقرأ خبرًا. لا ينزّل ملفًا، ولا يفتح رابطًا مجهولًا، ولا يضغط إعلانًا يعده بجائزة. يفعل ما نفعله جميعًا: يقرأ.

لكن المساحة الإعلانية بجوار الخبر قد تكون جزءًا من عملية تستهدف جهازه.

هذه هي الفكرة المقلقة وراء التحقيق الذي نشره Citizen Lab، بجامعة تورنتو، في 15 أكتوبر 2026: استخدام الإعلانات الموجّهة لإيصال برامج تجسس دون الحاجة إلى نقرة. سمّى الباحثون الأسلوب AdFection، وقدّموا ما وصفوه بأول تأكيد تقني علني لهذا المسار في التجسس التجاري الموجّه. [1]

المشكلة هنا ليست أن المستخدم أساء التقدير. إنها أن قرار عرض إعلان أمامه قد يصبح مدخلًا لهجوم لم يُطلب منه أن يوافق عليه أصلًا.

ماذا حدث للجزيرة؟

بحسب التحقيق، استُهدف ما لا يقل عن 45 جهازًا داخل شبكة الجزيرة خلال 2024 و2025. ربط الباحثون الهجمات بثقة عالية ببرنامج Candiru وبإعلانات Discover-Tech. وشملت الأدلة سجل اتصالات متتابعًا: بنية الإعلان، ثم خادم لفحص الجهاز، ثم خادم للتحكم بالبرمجية. كما عُزل ملف Windows DLL من جهاز مخترق. [1]

لهذا نستخدم كلمة «أجهزة» في العنوان. تحويل الرقم إلى «45 هاتفًا مخترقًا» سيضيف شيئًا لا يقوله الدليل، كما أن الاستهداف لا يساوي تلقائيًا نجاح الإصابة في كل جهاز.

وأوضحت لجنة حماية الصحفيين أن الفريق التقني للجزيرة لاحظ أنماطًا غير معتادة في أجهزة صحفيين خلال 2024، ثم استعان بـCitizen Lab للتحقيق. ودعت اللجنة إلى التحقيق والمساءلة، وإلى تحرك الحكومات والشركات لمنع استخدام الإعلان قناةً للتجسس. [2]

كيف يصبح الإعلان طريقًا للهجوم؟

في المسار الذي شرحه الباحثون، يفوز المعلن بمزايدة لعرض إعلان داخل موقع أو تطبيق. عند تحميله، يتصل الجهاز ببنية إضافية؛ ويُفرز الزوار لاختيار المستهدفين. لذلك ليس كل من شاهد الإعلان هدفًا للاختراق، ولا تعني مشاهدة أي إعلان إصابة الجهاز. [1]

يمكن فهم الفكرة بتشبيه بسيط: لوحة إعلانات تصل إلى شارع كامل، لكن خلفها باب لا يُفتح إلا عندما يمر شخص محدد. الإعلان يوفّر الوصول، وآلية الاختيار تحدد الهدف، أما تنفيذ الاختراق فيحتاج إلى سلسلة تقنية ملائمة للجهاز.

«بلا نقرات» تصف غياب الحاجة إلى تفاعل الضحية، ولا تعني غياب الثغرة أو مراحل التنفيذ. والفرق عملي: نصيحة «لا تضغط» تظل نافعة ضد التصيد، لكنها لا تكفي لتفسير أو منع هجوم يبدأ أثناء تحميل المحتوى.

تصور فني لغرفة أخبار وصحفيين رمزيين ومسار تهديد عبر إعلان رقمي

تصور فني أُنشئ لهذا المقال؛ الأشخاص رمزيون، وليس المشهد صورة حقيقية للهجوم أو تحديدًا لهوية ضحاياه. شعار الجزيرة في الغلاف مستخدم للتعريف بموضوع التغطية، ولا يدل على شراكة مع HD.39.

أين تقع المسؤولية الإسرائيلية المثبتة؟

يحدد التحقيق Discover-Tech شركةً إسرائيلية اشترت الإعلانات المستخدمة في المسار الهجومي، ويربط الإصابة ببرمجيات Candiru، التي أصبحت تُعرف باسم Integrity Labs. كما أورد عدم تلقي رد من الشركتين ضمن المهلة التي منحها للتعليق. [1]

هذه نسبة محددة إلى شركات ودور تقني. أما الجهة التي أصدرت أمر استهداف الجزيرة، فتؤكد لجنة حماية الصحفيين أن التقرير لم يسمِّ حكومة أو عميلًا محددًا مسؤولًا عن طلب الهجمات. [2]

الدقة هنا لا تقلل خطورة الدور الموثق للشركات الإسرائيلية. إنها تمنع الخلط بين صانع الأداة، والوسيط الذي يوصلها، والعميل الذي يختار الهدف. إثبات أحد هذه الأدوار لا يمنحنا تلقائيًا أسماء أصحاب الدورين الآخرين.

ومن منظور المساءلة، الأسئلة موزعة على هذه السلسلة كلها: من طوّر الأداة؟ من أتاح الوصول؟ من اختار الصحفي؟ ومن امتلك صلاحية الاطلاع على ما جُمع؟

لماذا لا نسمّي كل شيء «بيغاسوس»؟

للجزيرة واقعة أخرى موثقة، لكنها مختلفة. في ديسمبر 2020، نشر Citizen Lab تحقيقًا عن اختراق 36 هاتفًا شخصيًا لعاملين فيها ببرنامج Pegasus التابع لـNSO Group. وصف التقرير سلسلة استغلال سمّاها KISMET، بدا أنها تعمل عبر iMessage دون نقرة. ومن الأسماء الواردة في ذلك التحقيق الصحفي تامر المسحال. [3]

لا يصح نقل اسمه تلقائيًا إلى قائمة ضحايا حملة الإعلانات الجديدة، كما لا يصح وصف Candiru بأنها Pegasus. تشابه الهدف أو بلد منشأ الشركات لا يحوّل التقنيات والحملات إلى واقعة واحدة.

وفي مسار بحثي مستقل، حلّل مختبر الأمن بمنظمة العفو الدولية وثائق مسرّبة عن Intellexa في ديسمبر 2025. تضمنت وصفًا لنظام Aladdin لإيصال Predator عبر الإعلان، بحيث لا يحتاج المستهدف إلى الضغط عليه. تناولت الوثائق استخدام معرّفات لاستهداف الجهاز، ومنها عنوان الإنترنت العام. [4]

هذه المواد توسّع فهمنا لصناعة التجسس عبر الإعلان؛ لكنها ليست دليلًا على أن Aladdin هو الأداة التي استُخدمت ضد الجزيرة في تحقيق AdFection.

لماذا يغيّر استهداف الصحفي حجم الضرر؟

تحليلي أن اختراق جهاز الصحفي لا يتوقف عند خصوصيته الشخصية. وراء الشاشة مصادر تتحدث بشروط، ومواعيد لقاءات، ومسودات لم تُنشر، وأسئلة تكشف اتجاه التحقيق قبل اكتماله.

إذا وصل مهاجم إلى تلك المواد، فقد يعرف من تحدّث قبل أن يعرف الجمهور ماذا قال. وقد يصبح خوف المصدر من التواصل أثرًا طويل المدى حتى بعد معالجة الجهاز. ولهذا ينبغي تقييم أمن غرفة الأخبار بوصفه حمايةً لعملية إنتاج المعرفة، لا مجرد حماية أجهزة الموظفين.

والإعلان يضيف مفارقة: المؤسسة تحتاج إلى الوصول إلى القرّاء، بينما قد تستخدم بنية الوصول التجاري نفسها لبلوغ صحفييها. ليست هذه دعوة لاتهام كل ناشر بالتواطؤ؛ إنها دعوة لمراجعة الثقة الممنوحة للأطراف التي تنفّذ محتوى داخل صفحاتنا وتطبيقاتنا.

ماذا يمكن فعله؟

يوصي Citizen Lab بحجب الإعلانات والتتبع على الأجهزة وعند بوابة شبكة المؤسسة، وبطلب مساعدة متخصصة عند ارتفاع خطر الاستهداف. هذه إجراءات لتقليل التعرض، وليست شهادة حصانة. [1]

ولمستخدمي أجهزة Apple الأكثر عرضة للهجمات الموجّهة، توفّر الشركة نمط المنع — Lockdown Mode. يحدّ هذا الوضع من وظائف وتقنيات معينة لتقليل مساحة الهجوم، وقد يؤثر في عمل مواقع وميزات. وتوصي Apple بتحديث الأجهزة قبل تفعيله. الشركة نفسها توضح أن هذه الحماية موجهة إلى فئة صغيرة تواجه تهديدات متقدمة، وليست دليلًا على أن كل مستخدم مستهدف. [5]

عمليًا، أقترح أن تسأل غرف الأخبار قبل أي أزمة: من يستقبل بلاغ الاشتباه؟ من يحفظ الأدلة؟ ومن ينسّق مع المختصين؟ وجود إجابات مسبقة أنفع من مطالبة صحفي مرتبك بتشخيص هاتفه وحده بعد ظهور المشكلة.

السؤال الذي يبقى بعد إغلاق الإعلان

الدرس ليس أن نخاف من كل مستطيل مضيء على الشاشة، ولا أن نحمّل الصحفي مسؤولية هجوم لا يحتاج إلى نقرة منه.

الدرس أن الأمن يجب أن يبدأ قبل وصول المحتوى إلى المستخدم: في تصميم المنصة، وتدقيق الوسطاء، والحد من التتبع، ومحاسبة من يحوّل أدوات التجارة إلى أدوات اقتحام.

حين يستطيع إعلان أن يفتح طريقًا إلى جهاز صحفي، لا تكفي مطالبة الصحفي بأن يكون أكثر حذرًا. يجب أن نسأل من سمح بفتح الطريق.

المصادر

آخر مراجعة للمصادر: 24 أكتوبر 2026. يستند المقال إلى التحقيقات والوثائق التالية، مع الفصل بين نتائجها والتحليل التحريري.

  1. Citizen Lab — Exposing AdFection، 15 أكتوبر 2026: التحقيق التقني الأساسي، الأدلة، ونطاق الإسناد والتوصيات وردود الشركات.
  2. لجنة حماية الصحفيين — استهداف ما لا يقل عن 45 جهازًا للجزيرة، 15 أكتوبر 2026: الموقف المؤسسي، وبداية التحقيق، وعدم تحديد العميل الذي أمر بالهجمات.
  3. Citizen Lab — The Great iPwn، ديسمبر 2020: واقعة Pegasus/KISMET المستقلة عن حملة الإعلانات.
  4. مختبر أمن العفو الدولية — Intellexa Leaks، ديسمبر 2025: تحليل الوثائق المسرّبة، ومنها مسار Aladdin.
  5. Apple — حول نمط المنع: الغرض من الحماية وقيودها وطريقة تفعيلها.